محمد سعيد رمضان البوطي

245

فقه السيرة ( البوطي )

فأدرك بعضهم وقت الصلاة في الطريق فقال البعض : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي ، لم يرد منا ذلك ، فصلاها الفريق الأول بعد وصولهم إلى بني قريظة قضاء . وإذا ثبت وجوب قضاء المكتوبة بعد فواتها ، فسيان أن يكون سبب الفوات نوما أو إهمالا وتركا متعمدا ، إذ لم يرد - بعد ثبوت الدليل العام على وجوب قضاء الفائتة عموما - أي دليل يخصص مشروعية القضاء ببعض أسباب التفويت دون بعضها الآخر ، والذين تركوها في طريقهم إلى بني قريظة ، لم يكونوا نائمين ولا ناسين ، فمن الخطأ إذا أن تخصص مشروعية قضاء الفائتة المكتوبة - مع ذلك - بما عدا التفويت المعتمد ، وهو أشبه ما يكون بمن يخصصها ببضع المكتوبات دون بعض بدون أي مخصص شرعي . وربما توهم بعض أنه قد ثبت دليل يخصص عموم أدلة مشروعية القضاء ، وهو المفهوم المخالف لحديث : « من نام على صلاة أو نسيها ، فليصلّها إذا ذكرها » ، ولكن هذا وهم لا ينبغي أن يدخل على طالب علم متبصّر . فالمقصود بالحديث ليس هو أمر الناسي والنائم بقضاء الصلاة ، دون غيرهما ، ولكن المقصود التركيز على القيد ، وهو « إذا ذكرها » وذلك للتنبيه إلى أنه لا يشترط لمن فاتته صلاة وأراد تداركها أن ينتظر حلول وقتها من اليوم الثاني ثم يؤديها إذ ذاك ، بل عليه أن يبادر إلى قضائها بمجرد التذكر ، في أي وقت كان ، فإذا عرفت إن هذا هو مقصود رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما تدل على ذلك صيغة الحديث نفسها وكما ذكر ذلك علماء الحديث وشراحه « 1 » عرفت أنه لا دلالة تشريعية تتعلق بالمفهوم المخالف للنوم أو النسيان في الحديث . غزوة بني قريظة جاء في الصحيحين أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما رجع من الخندق ووضع السلاح واغتسل ، أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام ، فقال : قد وضعت السلاح ؟ واللّه ما وضعناه ، فأخرج إليهم قال : فإلى أين ؟ قال : ههنا ، وأشار إلى بني قريظة ، فخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم إليهم « 2 » . ونادى صلى اللّه عليه وسلم في المسلمين « ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة » ، فسار الناس ، فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال

--> ( 1 ) انظر فتح الباري : 2 / 47 ، ونيل الأوطار : 2 / 27 . ( 2 ) متفق عليه واللفظ للبخاري .